مقالات:
مبدأ سمو الدسـتور ونظرية الضرورة.. بقلم عضو الائتلاف الوطني فارس حامد عبد الكريم

24 / 07 / 2010

 

يعد الدستور القانون الأسمى في الدولة، فهو بمثابة وثيقة عهد بين القائمين على السلطة العامة وبين الشعب تضمن إن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية  لن تنحرف عن المبادئ والقيم والقواعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يرى الشعب إنها تجسيد للشرعية التي يعتقد ويؤمن بها في زمان ومكان معينين وجسدها في الدستور.

فالدستور هو ابتداءاً قيد على إرادة السلطة التشريعية يمنعها من سن تشريعات تتعارض مع المبادئ والقواعد التي تضمنها الدستور، وهو أيضا قيد على إرادة الحاكم وأعوانه يمنعه من تجاوز سلطاته أو التعسف في استعمال تلك السلطات، ويخضع القضاء الى الدستور كما ويتولى الرقابة الدستورية على السلطات الأخرى ويبطل تصرفاتها المخالفة للدستور. وهكذا قيل إن الدستور يتمتع بسمو على إرادة الحكام وعلى جميع قوانين الدولة.

 إلا إن هناك استثناء يرد على مبدأ سمو الدستور. يعطل تطبيقه جزئياً لحماية الدولة والمجتمع في الأوقات العصيبة التي تمر بها ويعرف هذا الاستثناء في فقه القانون بنظرية الضرورة وتكتسب هذه النظرية أهمية خاصة في الأوقات العصيبة التي تمر بها الدولة، واصل النظرية مقولة رومانية قديمة مفادها ( سلامة الدولة فوق القانون ) أو ( سلامة الشعب فوق القانون )

ويقتضي البحث بيان ماهيتها وموقف الفقه والتشريعات والفقه الإسلامي والمشرع العراقي منها.

اولاً: مبدأ سمو الدستور

القواعد القانونية التي يتضمنها النظام القانوني للدولة ليست في مرتبة واحدة وإنما هي مراتب متدرجة، ويترتب على ذلك إن كل قاعدة ينبغي أن لا تخالف القاعدة التي تعلوها في المرتبة وعلى هذا النحو يُمثل النظام القانوني في الدولة بأنه كالهرم الذي تقف على قمته القواعد الدستورية، ومن جانب آخر فان الدستور هو الذي ينشأ سلطات الدولة المختلفة وهو الذي يحدد اختصاصاتها ويحدد كذلك طبيعة العلاقة بين كل سلطة والسلطات الأخرى في الدولة، ان هاتين الخاصتين تجعلان منه ذو سمو عُرف في فقه القانون الدستوري بمبدأ سمو الدستور.

ويراد بمبدأ سمو الدستور علو القواعد الدستورية على غيرها من القواعد القانونية المطبقة في الدولة ، وهذا يعني إن أي قانون تصدره الدولة يجب ان لا يكون مخالفاً للدستور. ويراد بسمو الدستور ايضا. ان النظام القانوني للدولة بأكمله يكون محكوماً بالقواعد الدستورية، وان أية سلطة من سلطات الدولة لا يمكن ان تمارس إلا من قبل الهيئة التي خولها اياها الدستور وبالحدود التي رسمها .ويعتبر مبدأ سمو الدستور من المبادئ المسلم بها في فقه القانون الدستوري حتى في حالة عدم النص عليه في صلب الوثيقة الدستورية.

وقد وجدت فكرة سمو الدستور أساسها في كتابات مفكري نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر الأوربي، الا انه لم يترسخ كمبدأ إلا بعد انتصار الثورتين الأمريكية والفرنسية وقد نُص على المبدأ لاول مرة في الدستور الأمريكي لعام 1787، في المادة (6) منه . وبعد الثورة الفرنسية ساد المبدأ ونصت عليه اغلب دساتير الدول.(1)

 وقد نصت المادة (13) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على هذا المبدأ الدستوري العريق صراحة بقولها (اولاً : يُعدُ هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافة وبدون استثناء.  ثانياً : لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الأقاليم أو اي نص قــانوني آخــر يتعارض معه .)

وسمو الدستور قد يكون سموا موضوعياً (مادياً) وقد يكون سموا شكلياً:

الفقرة اولا ـ السمو الموضوعي (المادي للدستور) : ومقتضى السمو الموضوعي، ان نشاط سلطات الدولة المختلفة يجب أن يكون محكوما بالدستور في كل ما يصدر منهم من قوانين وأنشطة مختلفة، لان خروج تلك السلطات عن القواعد الدستورية التي أوجدتها ونظمت طريقة ممارستها للسلطة يعد هدرا لسند وجود تلك السلطات وللأساس القانوني لاختصاصاتها وبالتالي يعتبر مساساً بجوهر الدستور وانتهاكاً لسموه الموضوعي .

ويتمتع الدستور بالسمو سواء كان دستوراً جامداً أم مرناً . ذلك لأن المشرع العادي وان كان يملك حق تعديل الدستور المرن بنفس إجراءات تعديل القانون العادي، الا انه ملزم دائماً باحترام الأساس النظري الذي يقوم عليه الدستور.

ويترتب على السمو الموضوعي عدة نتائج :

1ـ ان القواعد الدستورية ملزمة لجميع سلطات الدولة، وان أي نشاط يكون مخالفاً لهذه القواعد لا يتمتع بأية قيمة قانونية .

2ـ  السمو الموضوعي يرتبط بمبدأ المشروعية مما يعني وجوب احترام القوانين الصادرة من السلطة التشريعية ووجوب مطابقة تلك القوانين للدستور .

3ـ بما إن الدستور هو مصدر جميع السلطات في الدولة ، فهذا يعني أن هذه السلطات لا تمارس حقاً شخصياً تتصرف به كما تشاء، وإنما تمارس وظيفة تحددها النصوص الدستورية، ويترتب على ذلك إن هذه السلطات لا تستطيع تفويض اختصاصاتها للغير، إلا بنص دستوري يبيح ذلك ، تطبيقاً للمبدأ القانوني العام الذي يقول ( الاختصاصات المفوضة لا تقبل التفويض ) .

ويلاحظ أن مبدأ سمو الدستور لا ينتج أثره القانوني إلا بوجود رقابة على دستورية القوانين، ولا يمكن تنظيم هذه الرقابة ما لم يتحقق للدستور السمو الشكلي الى جانب السمو الموضوعي .

الفقرة ثانيا ـ السمو الشكلي للدستور:

يقصد بالسمو الشكلي للدستور ان عملية تعديله تتطلب إجراءات خاصة اشد تعقيداً من إجراءات تعديل القانون العادي، وعلى هذا النحو لا يتحقق السمو الشكلي للدساتير المرنة رغم تمتعها بالسمو الموضوعي لان إجراءات تعديل الدستور المرن والقانون واحدة، وهذا يعني ان صفة الجمود هي التي تضفي على الدستور سموا شكليا على القوانين العادية إضافة الى السمو الموضوعي .

وتتمتع جميع القواعد الدستورية سواء كانت قواعد موضوعية او قواعد شكلية بالسمو الشكلي في الدستور الجامد .(2)

في تفسير مبدأ سمو الدستور تقول المحكمة الدستورية العليا في مصر في حكم لها صادر بتاريخ 12/2/1994 (أن القواعد الدستورية تحتل من القواعد القانونية مكاناً عالياً لأنها تتوسد منها المقام الأسمى كقواعد آمرة، ويعني هذا المبدأ أن النص الدستوري يسمو ويتقدم على ما عداه من نصوص قانونية فيتوجب أن لا تخالف تلك النصوص أي قاعدة دستورية، إذ أن "كل سلطات الدولة الحديثة من تشريعية وتنفيذية وقضائية تخضع للدستور بحسبان أن الدستور هو سند وجود هذه السلطات جميعاً وهو مصدر شرعيتها فإذا كان ذلك كذلك فإنه لا يتصور أن يصدر عن السلطة التشريعية قانون يخالف الدستور وكذلك أيضاً لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدر قرارات مخالفة للدستور الذي هو سند وجود هذه السلطة وهو الذي أعطاها ما تمارسه من اختصاصات..) .

 وعليه فإن السلطة التشريعية تلتزم، طبقاً لهذا المبدأ، بأن لا تصدر أي قانون يخالف أو يناقض النص الدستوري والقيود الموضوعية الواردة فيه.(3)

ومن تطبيقات مبدأ سمو الدستور في قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر،نورد التطبيقات القضائية الآتية :( 4)

1ـ قضت المحكمة بعدم دستورية الفقرة (1) من المادة(40) من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وذلك فيما نصت عليه من وقف صرف المعاش فى حالة قيام صاحب المعاش بالعمل بإحدى الجهات الخارجة عن مجال تطبيق القانون لوجود نظام بديل مقرر وفقاً للقانون وذلك حتى تاريخ انتهاء خدمته لديها أو بلوغه السن المقررة لمخالفة ذلك لأحكام المادة 7، 12، 13، 62، 122 من الدستور والتي تكفل مضمونها التزام الدولة بكفالة الخدمات التأمينية لمواطنيها وعدم إخلالها بالملكية الخاصة التى ينصرف مدلولها على الحقوق الشخصية والعينية وهو الحق فى المعاش وهما ينشأن أصلاً من علاقتهم بجهات عملهم الأصلية.( 5)
 2ـ قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة رقم 90 لسنة 1975، لذات الأسباب السابق الإشارة بالفقرة (1) بشأن حظر الجمع بين المعاش والمرتب. (6)

3ـ قضـت المحكمـة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 40 من القانون رقم 79 لسنة 1975 بشأن التأمين الاجتماعي بالنسبة للمخاطبين بها فيما تضمنته من حرمانهم من حق الجمع بين المعاش والمرتب لمخالفـة ذلك لأحكام المـواد (7، 12، 13، 34، 40، 62 ) من الدستور.( 7)

 

ثانياً: نظرية الضرورة:

هناك اسـتثناء يرد على هذا مبدأ سمو الدستور يعرف بنظرية الضرورة، وتكتسب هذه النظرية اهمية خاصة في الأوقات العصيبة التي تمر بها الدولة، ويقتضي البحث بيان ماهيتها وموقف الفقه والتشريعات والفقه الإسلامي والمشرع العراقي منها ، ونتناول ذلك في فقرات .

 الفقرة أولا ـ ماهية نظرية الضرورة:

مفاد هذه النظرية ،ان المبادئ الدستورية إنما شرعت للظروف الاعتيادية الطبيعية  فإذا تعرضت الدولة لخطر جسيم أو ظروف استثنائية كحرب خارجية أو داخلية مثل العصيان المسلح  أو لعمليات إرهابية منظمة أو عصفت بإقليم الدولة مظاهرات عنيفة غير سلمية أو مرت بأزمة اقتصادية أو كوارث طبيعية أو وباء عام وكانت هذه المخاطر تهدد كيان الدولة والمجتمع بالانهيار، فانه وفي مثل هذه الأحوال من الأخطار لا تعد القواعد الدستورية والقانونية كافية او ملائمة لمواجهة الخطر بما تتضمنه  من قيود على إرادة السلطات العامة وما تتيحه من حريات واسعة للمواطنين. مما تضطر معه السلطات العامة ووفق شروط وقيود قانونية اتخاذ تدابير استثنائية ولو أدى ذلك الى الخروج على مقتضى القواعد الدستورية بما في ذلك تقييد الحريات العامة بالقدر اللازم لمواجهة الخطر ودفع ضرره العام. وفي ضوء ذلك  ظهرت في الفقه والقضاء المعاصر نظرية الضرورة التي استندت الى مبدأ روماني قديم مفاده ( إن سلامة الدولة فوق القانون ) والذي يجوز وفقا له وبناء على شروط وضوابط للسلطات العامة ورجالها  الخروج على مقتضى القواعد الدستورية والقانونية في حالة الضرورة لإعطائها قدر من الحرية في التصرف دون خشية العقاب أو الوقوع في اللامشروعية لإنقاذ الدولة من خطر او أزمة اقتصادية أو أزمة سياسية أو غيرها من المخاطر العامة.

مبررات نظرية الضرورة: يمكن بصورة عامة تبرير خروج السلطات العامة على مقتضى الشرعية الدستورية في أوقات الأزمات بما يلي:

 1ـ إن سلامة الدولة فوق كل اعتبار ويقوم جوهر نظرية الضرورة على افتراض قيام خطر جسيم وحال، يهدد كيان الدولة ومؤسساتها الدستورية ، بحيث لا تجدي القواعد القانونية التي وضعت للظروف العادية في مواجهته، فتجد الدولة نفسها مضطرة لمخالفة الدستور والقوانين العادية من أجل مواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهدد كيان الدولة ووفق شروط وضوابط تكاد تتفق عليها اغلب الدساتير.

2ـ لو أجبرت السلطات على تطبيق الدستور والقانون في ظل الأخطار التي تهدد كيان الدولة لأدى ذلك الى زوال الدولة ذاتها. ذلك إن من مقتضى مبدأ المشروعية ذاته الإبقاء على الدولة ، لأنه يفترض إن هناك قاعدة أساسية تنتظم القوانين جميعا مقتضاها وجوب الإبقاء على الدولة. لذلك عندما  يكون مصير الدولة أو وجودها معرضا للخطر الداهم يصبح إجبار الإدارة على الالتزام بحرفية النصوص القانونية القائمة لا قيمة ولا جدوى منه لأنه سيؤدي الى التضحية بالكل من اجل البعض .

الفقرة ثانيا ـ طبيعة نظرية الضرورة: توجد عدة نظريات لتحديد طبيعة الضرورة، أهمهما نظرية الفقه الألماني ونظرية الفقه الفرنسي التي تبنتها اغلب الدساتير، فضلا عن نظرية الفقه الإسلامي:

 أولا: الفقه الألماني ( نظرية الضرورة نظرية قانونية ): يعتبر الفقه الألماني نظرية الضرورة نظرية قانونية، ورتب على ذلك عدة آثار منها :

 1ـ إذا ما واجه المجتمع والدولة خطراً أو أزمة تهدد سلامتهما فان للسلطات العامة مطلق الحرية في اتخاذ ما تراه مناسبا لمواجهتها ولو أدى ذلك الى خروجها على مجمل الضوابط والقيود والقواعد الدستورية والقانونية وقواعد القانون الدولي . وقد تبنى هتلر هذه النظرية حين غزا دول الجوار الألماني بحجة إن سياستها تهدد سلامة المانيا.

2ـ كل ما تقوم به السلطات في ظل الأزمة والخطر يعتبر سليما وقانونيا ومشروعا ولو خالف الدستور ودون حاجة لأخذ موافقة من احد.

 3ـ بما إن نظرية الضرورة نظرية قانونية، فلا يتولد لأية جهة أو أي مواطن حق في التعويض عن الأضرار التي تلحقه جراء أعمال الضرورة كالأجرة عن أعمال السخرة أو الأضرار التي تلحق ممتلكاته.

.وأساس هذه النظرية الفلسفي إن الفقه الألماني وطبقا لما يعرف بنظرية التحديد الذاتي للإرادة التي قال بها هيكل واهرنك ، يرى ان الدولة إنما تلتزم بالقانون بمحض إرادتها وانه يوجد الى جانب القانون المكتوب قانون عرفي يعطي للدولة الحق في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للمحافظة على سلامتها بما في ذلك مخالفة القواعد القانونية القائمة. وإنها حين تخالفها إنما تكون إرادتها قد اتجهت إلى إحلال قواعد أخرى تلائم الظروف الاستثنائية لتحل محل القواعد السابقة، وعلى هذا التفسير لنظرية التحديد الذاتي تعتبر حالة الضرورة مصدراً للقواعد القانونية ، ولهذا السبب سميت بالنظرية القانونية للضرورة .( 8)

ثانيا: الفقه الفرنسي: ( نظرية الضرورة نظرية سياسية ): أختلف الفقه الفرنسي حول طبيعة نظرية الضرورة، وبهذا الصدد ظهر في الفقه الفرنسي اتجاهين، أحدهما يضفي عليها مفهوماً قانونياً. بينما يرى آخرون انها ذات طابع سياسي وواقعي.

 ومن أنصار الطبيعة القانونية للنظرية كل من ديكي وهوريو إلا إنهما وبخلاف الفقه الألماني وضعا ضوابط وشروط قاسية لتطبيقها.

 ويرى العلامة هوريو أن الحكومة ليس فقط لها لحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الظروف الاستثنائية كالحرب، وإنما عليها واجب اتخاذ هذه الإجراءات لحماية الدولة استناداّ إلى حق الدفاع الشرعي ، فإذا كانت الدولة في مواجهتها لهذه المخاطر تخرج عن إطار المشروعية ، فإنها لا تخرج عن إطار القانون طالما كانت هي في حالة دفاع شرعي.

 ويذهب أصحاب النظرة السياسية للمبدأ، وهو الاتجاه الغالب في الفقه والقضاء الفرنسي، الى أن الضرورة لا تخلق قواعد قانونية ولا تحل محل القوانين القائمة، وإن الحكومة إذا اتخذت تحت ضغط الضرورة إجراءات تخالف الأنظمة القانونية القائمة ،فإن هذه الإجراءات تعتبر بحسب الأصل إجراءات غير مشروعة، فالإدارة ينبغي أن تلتزم بمبدأ المشروعية ليس فقط في الظروف العادية وإنما كذلك في الظروف غير العادية، حيث غاية ما في الأمر إنه يمكن للإدارة أن تتحاشى المسؤولية الناجمة عن مخالفتها للقانون بأن تعرض على البرلمان الإجراءات التي اتخذتها وتطلب منه أن يعفيها من المسئولية بواسطة قانون يعرف في فرنسا باسم قانون التضمينات ، والقضاء هو الجهة الوحيدة المختصة بالفصل في مدى ضرورة اتخاذ الإجراءات الاستثنائية ومدى التزام الإدارة بضوابط وقيود هذه النظرية، وبذلك تكون الضرورة نظرية واقعية لا قانونية.

 ومن الجدير بالذكر ان الجنرال ديكول، الرئيس الفرنسي الأسبق، قد أشار في الجزء الأول من مذكراته الى حادثين معلقا على احتلال فرنسا سنة 1945 ومشيرا الى نظرية الضرورة، الحادث الأول وقع معه شخصيا، وهو من ساهم بوضع دستور فرنسا لسنة 1958الذي تبنى نظرية الضرورة في المادة (16) منه ، بأنه يجب القول بأن النظام في ذلك الوقت لم يكن يسمح لرئيس الحكومة الأخيرة في الجمهورية الثالثة بأن يتخذ أي إجراء، وان اضمحلال الدولة كان في الواقع مأساة قومية، وقد أدى هذا الحادث الى التنبه الى منح رئيس الجمهورية الاختصاصات التي تمكنه من مواجهة الأزمات الوطنية، أما الحادث الثاني فيرجع الى سنة 1851 حيث قاد رئيس الجمهورية الثالثة لويس نابليون انقلابا أقام بعده نظاما دكتاتوريا للحكم، وكان لذلك الحادث الثاني أثره في ضبط ممارسة رئيس الجمهورية لسلطاته في حالة الأزمة الوطنية بشروط شكلية وموضوعية معينة .(9)

ويترتب على المفهوم السياسي للنظرية عدة أثار:

 أولا ـ إخضاع نظرية الضرورة لعدد من الشروط والضوابط ، وكما يلي:

الشرط الأول ـ أن يكون هناك ظرف استثنائي حقيقي يتولد عنه خطر جسيم وحال يهدد سلامة وأمن الدولة أو النظام العام كالحرب أو العصيان المسلح أو الإضراب العام ،بحيث لا تجد الإدارة أية فرصة للجوء إلى وسيلة أخرى لمواجهته.

الشرط الثاني ـ أن تكون الإجراءات التي تتخذها الإدارة ضرورية لمواجهة هذا الخطر، أي استحالة مواجهة هذا الخطر بالطرق العادية وعن طريق المؤسسات الدستورية المختصة. وفحوى هذا الضابط أنه إذا وجدت وسيلة قانونية أو دستورية تستطيع أن تواجه المخاطر التي تهدد سلامة الدولة ، فإنه يجب الرجوع في تلك الحالة إلى هذه الوسيلة ، أما إذا كانت المخاطر لا تجدي معها نفعاً هذه الوسائل بحيث تصبح عاجزة عن مجابهتها ، فإن الرجوع إلى نظرية الضرورة وتطبيقاتها يكون أمراً لا مناص منه .

الشرط الثالث ـ أن تكون الإجراءات التي تتخذها الإدارة متناسبة مع حالة الضرورة فلا تتجاوزها لإن الضرورة تقدر بقدرها.
.ثانياً ـ تخضع إجراءات وأعمال الإدارة الاستثنائية لرقابة القضاء ولكل ذي مصلحة ان يطعن بإجراءات السلطات الاستثنائية أمام القضاء. ويضفي مجلس الدولة الفرنسي صفة المشروعية على الإجراءات التي تقوم بها الإدارة من أجل التغلب على الظروف الاستثنائية شريطة التقيد بالضوابط والشروط اللازمة.

ثالثا ـ أن تتوقف السلطات عن هذه الإجراءات بمجرد انتهاء الظروف الاستثنائية.

رابعاَ ـ استنادا لمبدأ مساواة المواطنين أمام التكاليف العامة فان لكل متضرر من جراء أعمال الضرورة الحق في الحصول على تعويض. وترتيب مسؤولية الدولة في هذا المقام يأتي خلاف الأصل المستقر في قواعد المسؤولية المدنية التي تقوم على ثلاث أركان هي ، الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، إلا إن استعمال السلطات لسلطاتها الاستثنائية وفقا للشروط والضوابط الدستورية لا يمكن ان يعتبر عملاً خاطئاً لان أساس الضرورة هو مخالفة الدستور والقانون ، وهكذا اوجد القضاء نظام المسؤولية دون خطأ لتعويض المواطنين المتضررين كمقابل للسلطات الاستثنائية الخطيرة التي تتمتع بها هذه السلطات في الظروف الاستثنائية تطبيقاً لمبدأ مساواة المواطنين أمام التكاليف العامة .(10)

ثالثا ـ نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي:

أقرت الشريعة الإسلامية نظرية الضرورة في وقت مبكر سبقت فيه الشرائع الحديثة بعدة قرون حيث أشارت إليها بوضوح النصوص القرآنية الكريمة والسنة السنة النبوية الشريفة ، وتولى فقهاء الشريـعة دراسة هذه النصوص واستنبطوا منها قواعد كلية وفرعية في العبادات والمعاملات ، وبنوا أحكامها الشرعية على مستلزمات الضروريات الخمس وهي ( حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل) وذهبوا الى أن المحافظة على هذه الضروريات الخمس تبيح مخالفة التكاليف الشرعية بعد أن اشتقوا لها أحكاما وشروطا وقيودا من مصادر الحكم الشرعي وقسموا الحكم الشرعي باعتبار عمومه الى عزيمة ورخصة.

وعرف بعضهم الضرورة بأنها ( خوف من الهلاك على النفس أو المال سواء أكان هذه الخوف علماً أي أمراً متيقناً أو ظنناً يراد به الظن الراجح وهو المبني على أسباب معقولة).

وتقوم نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي على قاعدتين هما، قاعدة المشقة تجلب التيسير وقاعدة لا ضرر ولا ضرار.

أولا : المشقة تجلب التيسير:

ويقصد بها أن المشقة التي تخرج عن المعتاد تجلب التيسير، وتتحقق هذه المشقة إذا كان من شأن التكليف إيقاع الضرر بالمكلف في نفسه أو ماله أو في ما يعد من ضروريات حياته ومعاشه.

.وتدخل هذه القاعدة في باب الرخص، ومن أدلة القاعدة قوله تعالى ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ) ، وقوله تعالى ( فَمَنِ اضطُرَ غَيرَ بَاغٍ ولاَ عَادٍ فَلاَ إِثمَ عَلَيهِ إِنَ اللَهَ غَفُورُُ رَحِيمُُ ) ،وقوله تعالى ( ما يُرِيدُ الله لِيَجعَل عَلَيكُم مِن حَرَجٍ ) (11) .

وحديث الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ).

ويتفرع عن هذه القاعدة الأصولية عدد من القواعد منها :

 1ـ قاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات )، ومن تطبيقات هذه القاعدة ( إباحة شرب الخمر لدفع العطش لمن أشرف على الهلاك ولم يجد سوى الخمر ، جواز النطق بكلمة الكفر للمضطر ، إباحة أكل الميتة عند الضرورة )

2ـ قاعدة ( الضرورة تقدر بقدرها )، ومفادها أن المضطر لا يأكل ولا يشرب من الأشياء المحرمة إلا ما يسد به رمقه.
ثانياً : لا ضرر ولا ضرار :
وسندها حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال (لا ضرر ولا ضرار ) ويتفرع عن هذه القاعدة عدد من القواعد منها ) الضرر يزال بقدر الإمكان) وقاعدة ( يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام ) وقاعدة ( الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ) وقاعدة) الضرر لا يزال بالضرر)  وقاعدة ( درء المفاسد أولى من جلب المصالح ) .

ومن ذات المصادر الشرعية استنبط فقهاء الشريعة أحكاما وشروطا وقيوداً لتطبيق حالة الضرورة منها ان الضرورة تقدر بقدرها ، وان يكون الخطر الذي يبرر الاضطرار جسيما وحالا ، وان لا يوجد طريق غيره لدفع الخطر ، والعودة للحكم الشرعي الأصلي عند زوال أسباب الاضطرار .

ومن تطبيقات ذلك أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عطل إنزال حد السرقة في عام المجاعة والذي يعرف في التاريخ الإسلامي بعام الرمادة. (12)

الفقرة ثالثا ـ تطبيقات نظرية الضرورة في التشريع والقضاء:

نظرية الضرورة في العصر الحديث بناء قانوني شيد صرحه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، حقاً ان هناك قوانين خاصة لمعالجة الظروف الاستثنائية توسع من صلاحيات السلطات العامة  واختصاصاتها في أحوال الضرورة إلا ان السلطات الاستثنائية المستمدة من النظرية القضائية أوسع مدى من السلطات المستمدة من هذه القوانين الخاصة لأنها تضيف لها سلطات جديدة ، فضلا عن ان مشرع القوانين الخاصة لا يمكن ان يتوقع كل الظروف الاستثنائية وملابساتها ، لذلك كانت النظرية القضائية هي المصدر الأساسي لسلطات الإدارة الاستثنائية تحت مختلف الظروف .

تغطي نظرية الضرورة النظام القانوني برمته. وقد نصت عليها دساتير معظم الدول وذلك استثناءا من مبدأ الفصل بين السلطات بينما تبناها القضاء في بعض الدول دونما نص خاص وإنما على أساس التوسع في تفسير النصوص. حيث نصت عليها المادة (16) من دستور فرنسا لسنة 1958 والمواد(74، 108، 147، 148) من الدستور المصري لسنة 1971 والمادة (71) من الدستور الكويتي والمادة(36) من دستور مملكة البحرين، والمادة(61)من دستور جمهورية العراق لسنة 2005. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وأثناء حرب الانفصال وضع الرئيس الأمريكي لنكولن النظرية محل التطبيق لمواجهة خطر الانفصال دون وجود نص دستوري يجيز وقف تطبيق الأحكام الدستورية المتعلقة بحقوق الأفراد، إلا إن الكونكرس صادق بعد ذلك على إجراءات الرئيس بناءاً على قناعته بان مصلحة الأمة الأمريكية اقتضت ذلك.

ونصت المادة 147 من دستور جمهورية مصر العربية على انه ( إذا حدثت في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير ، جاز لرئيس الجمهورية ان يصدر في شأنها قرارات يكون لها قوة القوانين ...)

وجاء في المذكرة التوضيحية للمادة (36) من دستور مملكة البحرين( لما كانت القاعدة الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات، وكانت سلامة الدولة فوق القانون، ونظرا لما يمكن أن تتعرض له المملكة من ظروف طارئة تهدد سلامة البلاد ، سواء أكانت هذه الظروف خارجية كالحرب أم داخلية كاضطراب الأمن العام أو حدوث فيضان أو وباء أو ما شابه ذلك، كان من الضروري منح سلطات الدولة الوسائل الاستثنائية التي تكفل حماية الدولة وسلامتها في تلك الظروف ...)

وقد قضى مجلس الدولة الفرنسي بصحة مرسوم أصدره رئيس الجمهورية في 10 سبتمبر 1914م يقضي بإيقاف المادة 65 من قانون 22 إبريل 1905م الخاص ببعض ضمانات الوظيفية ، خلال فترة الحرب، وقد رأى مجلس الدولة الفرنسي أن هذا الإيقاف يعد مشروعاً، وفي ذلك اعتراف بحق الحكومة في وقف كل الضمانات الفردية ودون إذن تشريعي وهو ما يعني إمكانية الحكومة الاعتداء على مبدأ المشروعية متمثلاً في القاعدة الدستورية الأساسية التي تقضي بخضوع اللائحة أو المرسوم للقانون وعدم تعارضه معها . ولتبرير ذلك الموقف استند مجلس الدولة إلى نص المادة الثالثة من دستور 1875م (النافذ في حينها) والتي تحمل رئيس الدولة مهمة الإشراف على تنفيذ القوانين على أساس أن هذا الإشراف على القوانين سيما المنظمة للمرافق العامة يقتضي منه السهر على سير المرافق دون توقف أو تعطل وخاصة زمن الحرب حتى لو أدى ذلك إلى خرق القوانين الأخرى التي ينتج عن تطبيقها إعاقة سير المرافق العامة بانتظام ، وهكذا فإن بعض القوانين يجب ضمان تطبيقها في زمن الحرب لأنها تسمح بسير المرافق العامة ، ولكن البعض الآخر يعوق هذا السير الذي ينبغي عليه أن يتوقف ، كما قضى بصحة قرارات اتخذتها الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية رغم كونها معيبة بعيب عدم الاختصاص لتجاوز الإدارة على اختصاص السلطة التشريعية عندما تناولت تنظيم مواضيع معينة بمنشورات خلافاً للأصل في ان هذه المواضيع يجب ان ينظمها المشرع بقوانين ، وقراره بصحة قرارات معيبة بعيب مخالفة القانون  اتخذتها الإدارة في ظل الظروف الاستثنائية مثل قرارات إلقاء القبض وحجز الأشخاص والاستيلاء على الأملاك مؤقتاً دون إذن قضائي .(13)

ولنظرية الضرورة تطبيقاتها في القانون الجزائي ففي حالة الدفاع الشرعي لا يسأل جزائياً من ارتكب فعلاً دفعته لارتكابه ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس أو المال (14).

 وكذلك في القانون الخاص الذي تبنى نظرية الظروف الطارئة، ويأخذ القضاء الإداري بنظرية الضرورة أيضاً في مجال القانون الإداري، حيث لم يعتبر مجلس الدولة الفرنسي الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي خطأ من جانب الإدارة، إذا كان سوف يترتب على تنفيذه إخلال جسيم بالأمن العام، وتقرر هذه النظرية للإدارة الحق في القيام بالإجراءات المستعجلة اللازمة لدفع كل خطر يهدد الأمن أو الصحة العامة دون تقيد بالقوانين واللوائح. بل وتسمح هذه النظرية للإدارة بتعديل التزاماتها التعاقدية، كما تقرر هذه النظرية للمتعاقد مع الإدارة حقوقاً تسمح بإعادة التوازن المالي للعقد إذا طرأت ظروف استثنائية أثرت على هذا التوازن .(15)

الفقرة رابعاً: الصفة الدولية لنظرية الضرورة:

أضفت قواعد القانون الدولي العام الصفة الشرعية على نظرية الضرورة وأجازت عدم الالتزام بالقواعد الدولية الضامنة للحقوق والحريات العامة في حالة الطوارئ وفقا لشروط وضوابط معينة. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على انه ( 1. في حالة الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة ، والمعلن قيامها رسمياً ،يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليه بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي ) (16)

الفقرة خامسا ـ نظرية الضرورة في الدستور والقانون العراقي والمصري:

نصت الفقرة (تاسعاً) من المادة (61) من الدستور العراقي النافذ على نظرية الضرورة وعبرت عنها بـمصطلح ( حالة الطوارئ )، حيث جاء فيها ضمن تعدادها لاختصاصات مجلس النواب:

( تاسعاً : أ ـ الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءا على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء . ب ـ تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد وبموافقةٍ عليها في كل مرة . ج ـ يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد في أثناء مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ وتنظم هذه الصلاحيات بقانون بما لا يتعارض مع الدستور. د ـ يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب الإجراءات المتخذة والنتائج في أثناء مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ خلال خمسة عشر يوماً من انتهائها .)

وإضافة الى الدستور فان أمر الدفاع عن السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004 هو الذي ينظم أحكام حالة الضرورة لمواجهة الأزمات في العراق . وأمر الدفاع عن السلامة الوطنية المشار إليه لا يعد قانونا للضرورة في حقيقته ومعناه، في ظل هجمة إرهابية شرسة استهدفت الدولة وكيانها والإنسان العراقي في حياته وحياة أسرته وممتلكاته، وعادة تطبق نظير نصوص هذا الأمر او اشد منها في الظروف الطبيعية في الدول التي لا تعرف النظام الديمقراطي.

ويتضح ذلك جلياً من مجرد الاطلاع على نصوصه مع الأخذ بالاعتبار نص الفقرة (تاسعاً/أ) من المادة (61) من الدستور التي تعد معدلة للقانون والتي نصت وهي بصدد تعداد اختصاصات مجلس النواب ( تاسعاً : أ ـ الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءا على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء )

بينما نصت المادة (1) من الأمر المشار إليه على انه ( لرئيس الوزراء، بعد موافقة هيئة الرئاسة بالإجماع، إعلان حالة الطوارئ في أية منطقة من العراق،.......)

ونصت المادة (3) منه على انه ( يخول رئيس الوزراء في حالة الطوارئ وفي حدود منطقة إعلانها بالسلطات الاستثنائية المؤقتة التالية:-

أولا- بعد استحصال مذكرة قضائية للتوقيف أو التفتيش إلا في حالات ملحة للغاية، وضع قيود على حرية المواطنين أو الأجانب في العراق، في الجرائم المشهودة أو التهم الثابتة بأدلة أو قرائن كافية فيما يخص الانتقال والتجوال والتجمع والتجمهر والمرور والسفر من وإلى العراق وحمل أو استخدام الأسلحة والذخائر والمواد الخطرة، ويمكن احتجاز المشتبه بسلوكهم وتفتيشهم أو تفتيش منازلهم وأماكن عملهم، ولرئيس الوزراء تخويل هذه الصلاحيات او غيرها الى من يختاره من قياديين عسكريين او مدنيين.

ثانيا- فرض حظر التجوال لفترة قصيرة محددة على المنطقة التي تشهد تهديداً خطيراً للأمن أو تشهد تفجيرات أو اضطرابات وعمليات مسلحة واسعة معادية، وله عزل تلك المنطقة وتطويقها بقوات مناسبة وتفتيشها إذا ثبت او اشتبه حيازة بعض سكانها أسلحة متوسطة أو ثقيلة أو متفجرات أو تحصّن بها خارجون على القانون، و ذلك بعد استحصال مذكرة قضائية للتفتيش الا في حالات ملحة للغاية.

بينما نصت الفقرة رابعاً من المادة (7) ـ تسري أحكام قانون العقوبات وقانون اصول المحاكمات الجزائية على الجرائم المشار اليها في الفقرتين أولا و ثانيا في هذه المادة.

ونصت المادة (9) منه على انه ( أولاً ـ تصادق هيئة الرئاسة بالإجماع على القرارات والإجراءات الاستثنائية، و للجمعية الوطنية الاستشارية المؤقتة الحق في مراقبة تنفيذ هذه الإجراءات.

ثانياً ـ تخضع قرارات وإجراءات رئيس الوزراء لرقابة محكمة التمييز، ومحكمة التمييز في إقليم كردستان فيما يتعلق بإجراءات الطوارئ في نطاق الإقليم، وانتهاءاً بالمحكمة الاتحادية العليا، و للمحاكم المذكورة تقرير إلغاء تلك القرارات والإجراءات وتقرير بطلانها وعدم مشروعيتها أو إقرارها، مع مراعاة الظروف الاستثنائية التي صدرت في ظلها تلك القرارات والإجراءات).

وفي جمهورية مصر العربية، التي تعيش في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية طبيعية، نص الدستور المصري لسنة1971 النافذ على أحكام حالة الضرورة في المواد (74، 147، 148)

حيث نصت المادة 74 منه على انه ( لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن او يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا الى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها )

وهذا هو المنطق الصحيح والسليم لمواجهة الأزمة قبل استفحالها ، فالإجراءات تتخذ بسرعة قبل أية موافقة من أية جهة وبعد اتخاذها تعرض على الاستفتاء .

ونصت المادة (147) على انه ( إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون ).

وهذه يعني إن رئيس الجمهورية في مصر يكون مشرعا في أوقات الأزمة وفي ظل غياب مجلس النواب .

ونصت المادة (148) على انه ( يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ على الوجه المبين في القانون ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال الخمسة عشر يوما التالية ليقرر ما يراه بشأنه. وإذا كان مجلس الشعب منحلا يعرض الأمر على المجلس الجديد في أول اجتماع له.

وفي جميع الأحوال يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة محددة، ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس الشعب.) وعلى نفس السياق المنطقي ذهبت هذه المادة فالإجراءات تتخذ بسرعة ومن ثم تعرض بعد ذلك على السلطة التشريعية . 

ومن المعلوم إن الجرائم المرتكبة في ظل إعلان حالة الطوارئ في مصر تختص بالنظر فيها المحاكم العسكرية سواء ارتكبت من الأفراد المدنيين أو العسكريين.

ويلاحظ إن نظرية الضرورة التي ابتدعها قضاء مجلس الدولة الفرنسي هي أوسع نطاقاً من القوانين المنظمة للظروف الاستثنائية.  

أما في ظل أمر الدفاع عن السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004 العراقي ، بما تضمنه من قيود وشروط معقدة مسبقة، لا تتطلبها القوانين حتى في ظل الظروف الطبيعية، فلا يمكن القول إن المشرع العراقي قد تبنى الوضع الطبيعي لمبدأ سلامة الشعب فوق القانون .

وربما يعود ذلك لأسباب تاريخية بعد عهود من الأحكام العرفية غير المعلنة مورست في ظلها أبشع الجرائم بحق الشعب تحت شعار ضرورات المرحلة الراهنة، وأسباب نفسية تتجلى في الرغبة من التخلص من كل صور الماضي البغيض. 

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

1ـ انظر: د. إحسان حميد المفرجي و د. كطران زغير نعمة ، د. رعد ناجي ، النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق ، كلية القانون ـ جامعة بغداد ، 1990 ص 164 وما بعدها ، وانظر كذلك د. يحي الجمل، القضاء الدستوري في مصر، تنضيد الكتروني، الفصل الأول، المبحث الأول، وانظر كذلك د. محمد كامل عبيد – نظم الحكم ودستور الإمارات دراسة تحليلية مقارنة لدستور الإمارات –2002- أكاديمية شرطة دبي ص 144.

2ـ انظر د. إحسان حميد المفرجي و د. كطران زغير نعمة ، د. رعد ناجي ، النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق ، مصدر سابق، ض 164 وما بعدها

3ـاحكام المحكمة الدستورية العليا عن المستشار سناء سيد خليل، النظام القانوني المصري ومبادئ حقوق الإنسان ،كتاب تنضيد الكتروني نشر البوابة القانونية ـ شركة الخدمات التشريعية ومعلومات التنمية  .

4ـ الحكم الصادر في القضية رقم 16 لسنة 15 قضائية دستورية جلسة 14/1/1995 والمنشور بالجريدة الرسمية(المصرية) رقم (6) لسنة 1995 بتاريخ 9/2/1995.

الحكم الصادر في القضيـة رقم 3 لسـنة 16 قضائيـة دسـتورية جلسـة 4/2/1995، نشر بالجريدة الرسـمية(المصرية) رقم (9) لسـنة 1995 بتاريخ 6/3/1995 (.

الحكم الصـادر في القضيـة رقم 52 لسـنة 18 قضائية دستورية، جلسة 7/6/1997، والمنشور بالجريدة الرسـمية (المصرية) رقـم (25) لسـنة 1997 بتاريخ 19/6/1997.

7ـ انظر بصدد فقه المدرسة الألمانية، ص193 ما بعدها، د. ثروت أنيس الأسيوطي، المنهج القانوني بين الرأسمالية والاشتراكية ـ دراسة في سوسيولوجيا الفكر القانوني، مجلة مصر المعاصرة ، السنة التاسعة والخمسون ، العدد 333، يوليو 1968،مصر. وكذلك انظر د. احمد فتحي سرور،القانون الجنائي الدستوري ،مصدر سابق هامش  ص 558

8ـ  د. احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، ط2، 2002، ص 558.

9ـ انظر بصدد هذه النظرية، د. إحسان المفرجي و د. كطران زغير نعمة ، د. رعد ناجي ، النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق ، مصدر سابق ، ص 167 وما بعدها ويشير في هامش ص 167 الى ان ( وتستمد هذه النظرية مدلولها من القاعدة الرومانية القديمة التي تقول ( ان سلامة الشعب فوق القانون ) ) وانظر كذلك د. محمود حافظ، القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن، دار النهضة العربية، 1993 ص52 وما بعدها. د.إبراهيم عبد العزيز شيحا، القضاء الإداريـ دعوى الإلغاء، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، 2006، ص 14 وما بعدها. وانظر كذلك سامي جمال الدين ،لوائح الضرورة وحالات الرقابة عليها ، منشأة المعارف، ص23 وما بعدها.و د. احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، مصدر سابق ص 551 وما بعدها.

10ـ أستاذنا الدكتور عصام البرزنجى ، محاظرات في القضاء الإداري للمرحلة الثالثة ، كلية القانون ـ جامعة بغداد ، للعام الدراسي 1996ـ1997.

11ـ (البقرة 185)، (البقرة: 173(، (المائدة 6).

12ـ د.يوسف قاسم ، نظرية الضرورة في الفقه الجنائي الإسلامي والقانون الجنائي الوضعي ، دار النهضة العربية ، 1993م ، ص 80 ، وكذلك يسري العصار ، نظرية الضرورة في القانون الدستوري والتشريع الحكومي في فترات إيقاف الحياة النيابية ـ دراسة مقارنة  ، مجلة المحامي ،السنة العشرون ، 1996، ص17 .وكذلك محمد مدكور ، مدخل للفقه الإسلامي ، دار النهضة العربية ، ص275 ، 279 .

13ـ د. عصام البرزنجى ، محاظرات في القضاء الإداري ، مصدر سابق ، وكذلك د. سامي جمال الدين ، ،لوائح الضرورة وضمانة الرقابة القضائية عليها ، منشأة المعارف الإسكندرية ، 1982 ، ص 29.

14ـ انظر المواد 42، 34، 45، 46 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.

15ـ يسري محمد العصار ـ نظرية الضرورة في القانون الدستوري مصدر سابق ، ص21 وما بعدها، ،كذلك انظر د. محمود حافظ ،القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن ، ، دار النهضة العربية ، طبعة سنة 1993، ص 58 وما بعدها .

16ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د ـ 21) المؤرخ في 16 كانون/ديسمبر 1966، تاريخ بدء النفاذ 23 مارس 1976، وفقاً لأحكام المادة 49 منها.

17ـ دستور جمهورية العراق لسنة 2005.

18ـ دستور جمهورية مصر العربية لسنة 1971.

19ـ امر الدفاع عن السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004، منشور في الوقائع العراقية ـ رقم العدد  3987 في 1/9/2004 .

ـــــــــــــــــــ

 

فارس حامد عبد الكريم العجرش

عضو الائتلاف الوطني

 أستاذ القانون المدني ـ جامعة جيهان

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً                                                                                

    بغداد ـ العراق